قطب الدين الراوندي

7

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

عباد اللَّه أن تقوى اللَّه حمت أولياء اللَّه محارمه ، وألزمت قلوبهم مخافته ، حتى أسهرت لياليهم وأظمأت هو أجرهم ، فاخذوا الراحة بالنصب والري بالظمأ ، واستقربوا الأجل فبادروا العمل ، وكذبوا الأمل فلاحظوا الأجل . ثم أن الدنيا دار فناء وعناء وغير وعبر . فمن الفناء أن الدهر موتر قوسه لا تخطىء سهامه ولا تؤسى جراحه ، يرمى الحي بالموت والصحيح بالسقم والناجي بالعطب . آكل لا يشبع ، وشارب لا ينقع . ومن العناء أن المرء يجمع ما لا يأكل ، ويبنى ما لا يسكن ، ثم يخرج إلى اللَّه تعالى لا ما لا حمل وبناء نقل . ومن غيرها أنك ترى المرحوم مغبوطا ، والمغبوط مرحوما ، ليس ذلك إلا نعيما زل ( 1 ) وبؤسا نزل . ومن عبرها أن المرء يشرف على أمله فيقتطعه حضور أجله ، فلا أمل يدرك ولا مؤكل يترك . فسبحان اللَّه ما أعز ( 2 ) سرورها ، وأظمأ ريها ، وأضحى فيئها . لا جاء يرد ، ولا ماض يرتد . فسبحان اللَّه ما أقرب الحي من الميت للحاقه به ، وأبعد الميت من الحي لانقطاعه عنه . إنه ليس شيء بشر من الشر إلا عقابه ، وليس شيء بخير من الخير إلا ثوابه وكل شيء من الدنيا سماعه أعظم من عيانه ، وكل شيء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه . فليكفكم من العيان السماع ، ومن الغيب الخبر .

--> ( 1 ) في ص : زال . ( 2 ) في الف ، ص ، ب ، نا : « أغر » بالغين المعجمة .